دروب العاصفة .. بقلم الشاعر .. سميرين التبريزي الحفصاوي
*الحُلْبَةُ مَنافِعُ.. وَتَوابِعُ... وَزَوابِعُ...!!!
ذاتَ صَيْفٍ فِي دُرُوبِ العاصِمَه....!
فِي مغريات المَدينَه كُنْتُ أَمْشِي أَحُثُّ خُطايَ الرَّتيبَه... فِي اِزْدِحامِ المارَّه... فِي دُرُوبِ العاصِمَه... كُنْتُ أَمْشِي بِتَأَنٍّ باحِثًا بَيْنَ الوُجُوهِ الجَديدَةِ وَالغَريبَه... عَنْ وُجُوهٍ لِجَميلاتٍ فاتِناتٍ مُغْرِيَه... !! حامِلًا فِي رَحْلِي وعلى كتفي ذِكْرَياتِي المِتْعِبَه...!
وَبَقايا مِنْ مَلامِحيَ القَرْوِيَّه البائسه ...من حرماني... وتهمشي...ونسياني ...ورجوعي...! من عرائي وحفائي ومن جوعي... وَمِنْ طاقَاتِي السّالِبَه...!! حامِلًا ذِكْرَياتٍ مِنْ رُبُوعِ البادِيَه...!!!
كُنْتُ أَمْشِي فِي الزَّحام...! صامِتًا دُونَ كَلام...!! وَمَهْما قابَلْتُ أُناسًا غُرَباءَ... يُمْنَعُ رَدُّ السَّلام...!! فِي اِزْدِحامٍ لِلْمُرُور...! يَعْسُرُ فِيهِ العُبُور...! وَضَجيجٍ وَعَجيجا...وقدود وعيون... وفتون... وفتون...! وَثُغُور...ونسائم...وحمائم...وشغاف ...وله وعطور... وعطور مغريه...!وَضجيج وأنوار وٱنْبِهار بِالمَبانِي الفَخْمَةِ الشّاهِقَه... وَالعالِيَه...!ذاتَ يَوْمٍ فِي دُرُوبِ العاصِمَه...!
كُنْتُ أَمْشِي أكتشف تفاصيل المكان...بِعَناءٍ فِي سِباقٍ مَعَ الزَّمان... غايَتِي الحَمْقاءُ قَضاءُ أَكْثَرَ مِنْ شَأْنٍ وَشَان...! بَدَوِيٌّ مَحْرُومٌ خارِجَ الزَّمانِ ...!! مَنْسِيٌّ مُهَمَّشٌ جاءَ مِنْ عُمْقِ القُرَى...!! أَبْهَرَتْنِي مُغْرِياتُ الحاضِرَه...!! فَتَنَتْنِي هَذِهِ القُدُودُ المائِسَه...والتفاصيل المُغْرِيَه والقدود وَالفارِعَه...! وَالبَناطيلُ الواصِفَه...! وَالعُيُونُ النّاعِسَه... اِسْتَفَزَّتْ مِنِّي النَّسْيَ... وَالتَّهْمِيشَ... وَالتَّهْمِيش...!! جَعَلَتْنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي مَنْسِيٌّ اِبْنُ نَسْيٍ... وَأَخٌ هُجِر... عِنْدَ ريفٍ خارِجَ الزَّمَنِ أَعيش... فِي نَوادِي قَرْيَتِنا البَسيطَة الحالمه... مثل خيل صاهله...مثل حمر ناعقه...!! قانع بعيش البسيط... بعيون راضيات وقريره...بعيون مبصرات راضيات بالقهر...وأياد عاجزات وقصيرة...
عيشنا في تلك القرى كَالأَنْعامِ فِي حَظيرَه... فَتَذَكَّرْتُ الطُّفُولَه...وَحِرْمانَ الطُّفُولَه و وأيام الباديه...!!! وَرَأَيْتُ فِي مَدَى الذِّكْرَى... وَفِي ذاكَ المَدَى... أَهْلِي البُؤَساءَ المَنْسِيّينَ البُسَطاء... ذاتَ قَحْطٍ لِلْقُرَى...! وَذاتَ تَهْمِيشِ القُرَى...!!! ذاتَ جَدْبٍ لِمَصِيفٍ... ذاتَ حُزْنٍ لِخَرِيفٍ... لِأَيّامِنا البائِسَه... ذاتَ نَسْيٍ لِأَيّامِ الشِّتاءِ البارِدَه... جِئْتُ مِنْ جَدْبِ القُرَى... جِئْتُ مِنْ مُراهَقَتِي البائِسَه...!!! فجأة وَمِنْ بابِ المُصادَفَه... بَيْنَ الوُجُوهِ النَّضِرَةِ اِسْتَقَرَّ ناظِرِي فِي وَجْهٍ أَلِيف...!!!
شاحِبًا يُشْبِهُنِي...!! فَوْقَ جِسْمٍ يَبْدُو لِي هَزيلًا جِدًّا وَنَحيف...!!!! وَعَيْناهُ مِثْلُ عَيْنايَ...!!! غائِرَتانِ مِنْ خَصاصَةٍ وَمَشَقَّةٍ وَكَدْحٍ وَرَعْيٍ وَمن بَرْدِ الشِّتاء...!! ومن كدح وتعب... ومن عناء الالف عناء...
وَ مِنْ حَصادِ الصَّيْفِ وَحَرْثِ الخَرِيف...!!! مِنْ حَفاءٍ وَعَراءٍ وَبَرْدٍ وَهَجيرٍ...!!! أَصْبَحَ قَدَرًا عِنْدَ أَهْلِ القُرَى... وَأَهْلِ البادِيَه...إرتحت للوجه،وٱقتربت منه وسلمت وعانقت... وشممت فيه عبق ريح للقرى... ووجدت في ٱغترابي رفيق درب أَصْبَحَ مُؤْنِسًا جِدًّا أَلِيف...إِنَّهُ مِثْلِي جاءَ من الهامش والنسي ومِنْ وَراءِ "(البَلاَكَةِ)" وَمِنْ وَراءِ اللّافِتَه...!!!
جاءَ قَبْلِي وَأَبْهَرَتْهُ هَذِهِ المَبانِي الشّاهِقَه وَالعالِيَه...!! وَالأَحْياءُ الرّاقِيَه... وَالقُدُودُ الفارِعَه...! وَالمُمَيْلاتُ المائِلَه....! وَالبَناتُ الفاتِنَه....! وَالضَّجيجُ وَأَصْواتُ المُمَحَرِّكِ وَالزَّحام...! وَالعُطُورُ الطّافِحَةُ وَالزّاكِيَه...!!! فَعَرَفْتُهُ وَعَرَفَنِي...!! وَأَلِفْتُهُ وَأَلِفَنِي...!!! وَأَنَسَ كِلانا سَوادَ الوَجْهِ فينا...!!! وَالتَّجاعيد...!!! وَتَعانَقْنا وَشَمَمْنا فِي بَعْضِنا ريحَ الرُّبَى...! وَعَبَقَ القُرَى...! وَمَواسمَ الجَنِيِّ وَالحَصاد وَالحَصيد... وَنَسيمَ البادِيَه...! ذاتَ صَيْفٍ فِي دُرُوبِ العاصِمَه...! كانَ اللِّقاءُ حَميمِيًّا بِالشُّجُون والترحاب...! وَأَنِسْنا بَعْضَنا وَتَرافَقْنا...! وَزالَ عَنّا بَعْضُ الاِغْتِراب...! وَلَمْ نَبْقَ كَفُرادى للذِّئاب...! تَجَوَّلْنا وَتَعِبْنا...! كانَ يَوْمًا اِحْتارَتْ فِيهِ الهاجِرَه...! فَتَعِبْنا وَخَوَتْ مِنَ البُطُون...! وَعَطِشْنا مِنْ لَظَى حَرِّ الهَجير...! فاقْتَرَحْتُ عَلى رَفيقي أَكْلًا وَشَراب...! لَقَدْ جُعْنا وَعَطِشْنا... وَتَعِبْنا مِنَ الأَمانِي الواهِياتِ وَالرَّكْضِ وَراءَ سَرابٍ يَتْلُوهُ سَراب...!!! وَآنَ لَنا أَنْ نَرْوَى وَنَشْبَعَ...! لَمْ يَعُدْ فِي قَوْسِ الصَّبْرِ مَنْزَع....! فَقالَ لِي:
-الرَّواءُ أَوَّلًا لَيْسَ الطَّعام...!!!
-إِنَّ حَلْقِي جَفَّ وَعُدْتُ مِنَ العَطَشِ لا أَقْوَى حَتّى عَلى الكَلام...!!!
وَحينَما اِشْتَدَّ الهَجيرُ وَمَرَرْنا فِي زُقاقٍ عَنْ بائِعِ "بَشْكُوطْ" وَعَصير... بَرْتُقالٍ وَلَيْمُونٍ... بارِدٍ ثَلْجُهُ كَالزَّمْهَرير... وَبِجانِبِهِ بائِعٌ لِنَقيعِ الحُلْبَةِ فِي الجِرارِ الصُّفْرِ طَعْمُها بارِدٌ حُلْوٌ مَرير...!!!أَمّا أَنَا وَخَوْفًا مِنْ فَسادِ الرّائِحَه رغم المنافع...!!! وعواقب الحلبة... والتوابع والزوابع...!!!خَيَّرْتُ الأُولَى وَتَرَكْتُ التّالِيَه...!!! وَشَرِبْتُ عَصيرَ اللَّيْمُونِ... وَأَكَلْتُ حَبَّةَ "البَشْكُوطْ" الطَّيِّبَه...! أَمّا صاحِبِي المِسْكينُ فَقَدْ قالَ لِي:
-إِنَّ لِلْحُلْبَةِ مَنافِعَ...! أَوْصَى بِها سَيِّدُ الأَنام... فَهِيَ تَرْوي ثُمَّ تَشْفي ثُمَّ تُشْبِع...! وَتُداوي مِنّا العِلَلَ وتنفع...! شَرِبَ مِنْها وَاسْتَساغَ الشُّرْبَ فَأَعاد...! وَأَعاد...! وَأَعاد الشُّرْبَ...!!! حَتّى سَكِرَ وَثَمِل...!!! اِسْتَساغَ مُرَّ الطَّعْمِ مِنْها، وَأَغْرَتْهُ فيها المَنافِع...!!!
مُتَناسِيًا مِنْها التَّوابِعَ وَالزَّوابِعَ...!!!
وَرَكِبْنا "المِتْرُو" وَانْتَشَيْنا وَقَدْ رَوِينا... مِمّا شَرِبْنا وَاحْتَسَيْنا... !! أَمّا أَنَا فَكانَ أَكْلِي وَشُرْبِي بَرْدًا وَسَلاما...!! أَمّا صاحِبِي لَيْتَهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْها حَراما...!!!
مَغَصٌ فِي بَطْنِهِ كَأَنَّما شَرِبَ سُمًّا زُؤامًا...!!! وَحينَما اِشْتَدَّ الهَجيرُ وَنَحْنُ فِي "المِتْرُو الخَفيفِ"...!!! اِشْتَدَّ فِي بَطْنِ صَديقِي الرَّعْدُ وَالعَويلُ وَالزَّفيرُ وَ"الزَّفيف"... !!!
وَقَفَ يَسْحَبُ الأَنْفاسَ نِصْفًا حَقْبًا...!!!
وَ نِصْفًا حَقْنًا...!!! وَغَزيرٌ... وَغَزيرٌ... وَغَزير..!!إِنَّ سَيْلَ الحُلْبَةِ جِدًّا جارِفٌ جِدًّا لا يُقاوَمُ...!!! إِنَّهُ صَعْبٌ عَسير...!!! وَبَدَأَ التَّعَرُّقُ عَلى جَبْهَتِهِ وَالهَذَيانُ...!! واقِفًا مُحْرَجًا بَيْنَ المِطْرَقَةِ وَالسِّنْدانِ...!!! كانَ كَأَنَّما أَدْرَكَتْهُ وِلادَةٌ قَيْصَرِيَّة...!!! وَتَمَنَّى لَحْظَةً أَنْ يَكُونَ فِي عُمْقِ الأَرْيافِ وَالبَوادِي... وَحيدًا عِنْدَ جَوْفِ وادٍ...! أَوْ تَحْتَ سِدْرَةٍ فِي الخَلاءِ وَالقِفار...! بَعيدًا عَنْ عَيْنِ الرَّقيبِ متخف عن الأَنْظار...!!! يَجْلِسُ القُرْفُصاءَ وَحيدًا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّماءِ...! وَيُدَنِدِنُ وَيَخُطُّ بِالعُودِ فِي الرِّمالِ الرّاكِدَه...! تَحْتَ نُورِ الشَّمْسِ الحارِقَه...! فِي الخَلاءِ بَيْنَ هَمْسٍ وَ"طَحيرٍ" بَيْنَ شَدْوٍ وَغِناء...!! فِي رِمالِ البادِيَه...! لَيْتَ يَوْمًا مِنْ أَيّامِ الخلاء
و البادِيَه...!!! واقِف صَديقِي يُقاوِمُ السَّيْلَ العَرِم...!!! مُغْمَضُ العَيْنَيْنِ يُقاوِمُ يَشُدُّ ما تبقى من هِمَم...!!! بَيْنَ حَقْبٍ...! ثُمَّ حَقْنٍ..! يَتَجَمَّعُ وَيَضُم...!!! لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ زَحاماتٍ فِي المَدينَه...!!! لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ فِي "المِتْرُو" بَيْنَ النّاسِ الواقِفَه وَالجالِسَه...!!
لَيْتَهُ لم يكن ذاك الغريب...!ليته الآن بَعيدًا عَنْ عَيْنِ الرَّقيبِ... وَالقُدُودِ الفارِعَه...! لَيْتَهُ فِي عُمْقِ الرِّيفِ وَالخَلاءِ وَالفَلا... وَالبِقاعِ النّائِيَه...!!! والبقاع... وصديقي صابر بين البقاع...!! والعيون الناظره...
بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى...!!! وسيل الحلبة في ٱرتفاع...!! وَصَديقِي واقِفا عِنْدَ النِّزاع...!!! وَسُيُولُ الحُلْبَةِ نَزَلَتْ عِنْدَ الثُّغُور..!!! تَبْغي الخُرُوجَ وَالنُّزُولَ وَالصُّدُور... !!! وَصَديقِي يَتَلَوَّى كَيْفَ يَفْعَل...!؟؟ مُغْمَضُ العَيْنَيْنِ... عسرًا يَتَنَفَّس...!!! كَيْفَ يَفْعَل..؟! وَمَدَى الرِّحْلَةِ فِي "المِتْرُو" بَيْنَ الرّاكِبيَن يَتَواصَل...!!! لَيْتَهُ لَمْ يَرْكَبْ أَصْلًا...!! لَيْتَهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْ ذاكَ النَّقيع...!! لَيْتَهُ لَمْ يَأْكُلْ وَيَشْرَبْ بِنَهَمِ الطِّفْلِ الرَّضيع...!!! كَمْ خَطيرَةٌ هَذِهِ الحُلْبَةُ اللَّعينَةُ حينَ تَنْزِل...!!! سَيْلٌ عارِمٌ وَعَرَمْرَم...!!سيلها حين فاض ونزل لا تَمْنَعُهُ جِبالٌ وَسُدُودٌ وَرَوابٍ حينَ يُقْبِل...!!!. بَلَغَ الصَّبْرُ حَدَّهُ...!! وَصَديقِي يَتَلَوَّى يَتَضَوَّر... مُمْسِكًا بِقَضيبِ "الميترو" واقِفًا لِوِلادَةٍ قَيْصَرِيَّةٍ بِنْتِ قَيْصَر..!!!
مُغْمَضُ العَيْنَيْنِ إِلى مَتَى يُقاوِمُ سَيْلَ الحُلْبَةِ حَقْبًا وَحَقْنًا...!!! حابِسُ الأَنْفاسِ كَيْفَ يَصْبِر... ؟!!! وَمِنْ دعابَتي الشَّقِيَّةِ وَالسّافِرَه...!!! فاجَأْتُهُ وَوَضَعْتُ
يَدًا عَلَى صَدْرِهِ وَأُخْرَى عَلَى ظَهْرِهِ، وَصَحْتُ بِمِلْءِ صَوْتِي فِي أُذُنِهِ:
-«يَا فُلاااَانُ...!»
فَاعْتَرَاهُ الرُّعْبُ، وَتَشَقَّقَ السَّدُّ، وَتَفَجَّر...!! كالبرْكَان...! ثم انهمر كالطوفان...!
وَنزل السَّيْلُ العْرَم... لِيَرْسُمَ عَلَى قُمَاشِ بَنطَلُونِهِ خَرَائِطَ العَالَمِ سهولا وجبالا وقمم...! وألونا من سيول وصنوف...!
وروَائِحٌ عَبِقَتْ كُلَّ الأَنُوفِ... وَتَفَرَّقَتْ مِنْ حَوْلِنَا كُلُّ الصُّفُوف...!!! سَالَ سَيْلُ الحُلْبَةِ وَفَرِطَ مِنْ يَدَيْهِ حَبْلُ العِنَان...!! يَا لَهَوْلِ الوَاقِعَةِ...!!! حَفْلُ سَيْلٍ كَزِفَافٍ أَوْ خِتَانٍ...
وَرَوَا ئِحٌ عَابِقَاتٌ مِنْ عُمْقِ الزَّمَانِ...! وخرير وَتَدَافُع ... خَالَ خَلِيٌّ أَنْ لَيْسَ لِلْحُلْبَةِ إِلَّا المَنَافِع...!!! نَاسِيًا مِنْهَا التَّوَابِع وَالزَّوَابِع...!!! ناسيا سوء العاقبه...
ذَاتَ صَيْفٍ فِي دُرُوبِ العَاصِمَه...!!!
-سَمِيربْن التَّبْرِيزِي الحَفْصَاوِي🇹🇳
-مَقَامَات بقلمي✍️✍️
تعليقات
إرسال تعليق