خبأت قلبي في عينيك .. بقلم الشاعر .. طارق غريب
" خبأت قلبي في عينيك "
طارق : قالوا لي مرة ، وأنا لا أتذكر من قال ، ولا يهم
لأن الكلمات حين تسكنك تصير ملكك وحدك
قالوا لي إن القلب مجرد عضلة ، نعم مجرد قطعة لحم
تنقبض وتنبسط ، لأنها لا تعرف كيف تتوقف عن ذلك
عضلة كسائر العضلات ، لا ذاكرة لها ، ولا أسرار
لم أصدقهم لأن العضلات لا تختبئ
العضلة ترى تحت الجلد ، تلمس ، تقدر بقوتها أو ضعفها
أما أنا فخبأت قلبي ليس تحت وسادة ، ولا في خزانة مغلقة
ولا في قبر تحت التراب ، ذاك مكان مألوف جدا
أول مكان يفتشه الحفارون
لا ، خبأته هنا في عيني في أكثر مكان مكشوف
وأكثر مكان يُنظر إليه ، في النافذة التي يظنون أنها تريهم ما وراءها
بينما هي في الحقيقة جدار سميك تخفي ما لا يُرى
ضحكت كثيراً حين أتتني الفكرة ، لأول مرة في حياتي
شعرت أنني أذكى من العالم كله ، سأضع قلبي أمام أعينهم
وسينظرون إليه كل يوم ، ولن يروه لأنهم يعرفون أن العين ترى
ولا يفكرون أبداً أنها هي التي تخفي
هل جربتم أن تخفوا شيئاً في العراء؟
هذا أصعب من الدفن بألف مرة
الدفن يحتاج إلى تراب وظلام وعزلة
أما أنا فاخترت النور ، اخترت أن يقف قلبي خلف زجاج عيني
يصرخ ، يئن ، يطرق بقبضتيه الصغيرتين على القزحية
والناس ينظرون إلي ويقولون : ما أجمل عينيك!
لا أحد يقول : ما أثقلهما! ولا أحد يقول : ما أكثر ما يصرخان في صمت أتدرون ما الفرق بين أن تكون موجوداً وبين أن تكون حاضرا؟
الفرق شاسع كالفجوة بين السماء والأرض
أنا موجود منذ أربعين عاماً لي بطاقة هوية
لي صوت يسمع ، لي عنوان ، لي ظل يتبعني
لكنني لست حاضراً ، الحضور مختلف ، الحضور أن تكون
في المكان الذي تقف فيه ، لا في المكان الذي هربت منه
ولا في المكان الذي تخشى أن تصل إليه
الحضور أن تشعر بثقل جسدك ، باحتكاك قدميك بالأرض
بدقات قلبك التي أخفيتها في عينيك ، فتحولت إلى رعشة
لا يراها إلا أنت في المرآة ، أنا رجل مؤجل ، أجلت نفسي سنين
في العشرين قلت : سأعيش حين أنتهي من الدراسة
في الثلاثين قلت : سأشعر حين أحقق ما أريد
والآن ، أدركت أن التأجيل أصبح هو الحياة نفسها
المؤجل لا يحيا أبداً ، المؤجل يظل في غرفة الانتظار
يقلب مجلة قديمة ، يسمع النداءات وهي تناديه بأسماء الآخرين
الوجود ليس أن تولد ، الوجود قرار كل صباح ، حين تفتح عينيك
يسألك الكون : هل ستوجد اليوم يا طارق؟
أم ستكتفي بأن تكون مجرد رقم في عداد الأحياء؟
وكل صباح ، كنت أختار الأسهل كنت أختار الصمت ، التمدد
التلاشي في تفاصيل اليوم المكررة
كنت أقول : غداً ، غداً سأكشف قلبي ، وغد لا يأتي أبداً
العين ليست نافذة الروح ، هذا كلام شعراء سكروا بالاستعارات
ولم يجربوا أن تتسع عيونهم لما لا تحتمله العين
في رأيي ، مقبرة ومنارة في آن واحد
مقبرة لأنك تدفن فيها كل ما لا تستطيع البوح به
خيباتك ، ندوبك ، أمنياتك التي ماتت قبل أن تولد
ومنارة لأن الضوء فيها ، رغم كل شيء
يظل يرشد أحداً ما إلى شاطئك ، لكن الحقيقة المؤلمة
أن المنارة لا تبصر من ترشد ، إنها فقط تظل مضيئة
في أمل غبي ، أن يأتي أحد ويفهم أن هذا الضوء
ليس ضوءا عادياً ، إنه قلب يصرخ بصمت
خبأت قلبي لأنني أردت أن يكون مرئياً وغير مرئي
أردت لمن ينظر عن قرب أن يشعر بشيء غريب
أن يتلعثم في كلامه ، أن يقول : في عينيك شيء ، ثم يتوقف
ولمن يمر سريعاً ألا يشك بشيء
أردت الفهم من دون تفسير الألم ، من دون سؤال
أن يعرف أحدهم أنني أتألم ، لكنه لا يجرؤ على السؤال
لماذا هذه هي لعبتي القذرة جبان أنا؟
ربما أو ربما حكيم جُرح مراراً ، فتعلم ألا يُري جرحه لأول عابر
لأن الجراح ، حين تُرى بلا سياق ، تصبح مشهداً للتسلية أو للشفقة
ولا أريد لا هذه ولا تلك ، مر من أمامي كثيرون كثيرون جداً
بعضهم توقف وقال : عيناك جميلتان ، بل قال أحدهم : عيناك بحران
تخيل! بحران! كم هو سطحي أن يرى البحر في عينيك
ولا يرى الغرقى فيها ، كم هو مؤلم أن توصف بالجمال
وأنت تحمل في جفنيك جنازات لا تنتهي
لست ألومهم ، يا صاحبي لا ألوم أحداً
كيف يرى الناس ما نخفيه بهذا الإتقان؟
نحن نرتدي أقنعة فوق أقنعة ، نصقل وجوهنا كل صباح
كي نبدو بخير ، ثم نشتكي أن لا أحد يرانا
هذه هي المفارقة اللعينة ، نطلب من الآخرين
أن يروا ما أخفيناه بعناية فائقة ، وفي اللحظة نفسها
نمر نحن من أمامهم ، ننظر في عيونهم بكل برود ، ونقول لأنفسنا :
لا شيء هنا يستحق التوقف ، كم من قلب مر أمامي وأنا لا أراه؟
كم من إنسان خبأ كونه كاملاً خلف نظرة عابرة
وأنا واصلت طريقي وكأني أعمى؟
كلنا نمشي في متاحف من القلوب المغلقة
كلنا نتذمر من إهمال الآخرين ، بينما أيدينا هي التي
أوصدت الأبواب بقفل من الداخل
لعبة طفولية ، لكننا كبرنا فيها ، وأتقناها ، وأصبحنا
لا نعرف الحياة بدونها
أيها الصمت ، أنت الوحيد الذي عرف أين خبأت قلبي
لأنك الوحيد الذي بقي معي حين نامت العيون
حين أغلقت الأبواب ، حين انصرف الجميع إلى بيوتهم الدافئة
أنت لا تسأل لماذا؟ أنت لا تحكم ، لا تشفق ، لا تتطفل أنت فقط
تجلس معي ، تتنفس معي في غرفتي الخالية
أنت أثاثي الوحيد ، تعلمت لغة الصمت
لغة أعمق من أي كلام وأصدق من أي موسيقى
وفي هذا الصمت ، يا سادتي ، يا من تسمعونني الآن
يا من ربما تظنون أن هذا مجرد نص مسرحي
في هذا الصمت ، فهمت شيئاً قاسياً ، إخفاء القلب
لم يكن خوفاً من الآخرين فقط ، لا ، كان خوفاً مني من أن أرى
أنا نفسي ، حجم ما أحمله ، كمن يخاف من فتح صندوق قديم
خوفاً من أن تطلع منه أشباحه
نخبئ الأشياء ليس لأن العالم لا يحتمل رؤيتها
بل لأننا نحن لا نحتمل مواجهتها. نخبئها عن أنفسنا أولاً
ثم نخبئها عن الآخرين. والآن استدرت ، بعد طول غياب وقفت هنا
أمامكم ليس على خشبة عادية ، بل على أرض وطئتها
بقدمي العاريتين ، وقلت كل هذا ، كل هذه الكلمات
التي ضغطت عليها سنوات في عيني
حتى تحولت إلى رماد. هل هذا يعني أنني كشفت قلبي أخيراً؟
لا أظن الكشف ليس سطراً يُقرأ ، الكشف حياة تعاش ، لحظة لا تتوقف
بل تمتد كالنهر ، لكنني أعرف شيئاً الآن، شيئاً يقينياً كالموت
لم أعد أريد أن أخبئ قلبي في عيني لأخدع من ينظر إلي
كلا أريد أن أخبئه فيهما لأنهما ببساطة ، أقرب مكان إلى العالم
هناك فرق شاسع بين أن تخبئ كي تهرب
وبين أن تحتفظ في قلبك كي تشارك حين يحين الوقت
ربما لهذا السبب ، لا مثيل لهذه الحكاية ، ليست لأنها استثنائية
فكل قلب مخبوء هو استثنائي بطريقته
كل عين تحمل عالماً لا يشبه عالماً آخر. لكنني اليوم ، لأول مرة
لا أخبئه ، أريه لكم. لكل من يشبهني لكل من خبأ ولم يجد الشجاعة
بعد ليري ، لكل من ينظر في المرآة ويقول : عيناي جميلتان
ويمتنع عن قول الحقيقة ، القلب لا يُخفى إلى الأبد
هو فقط ينتظر عيناً تستحق أن تراه
ستار
تعليقات
إرسال تعليق